عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

12

الذيل على طبقات الحنابلة

الحديث ، فقد حفظنا منه أحاديث جمة تلقيناً ، ثم يقوم يتوضأ ، فيصلي ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل وقت الظهر ، ثم ينام نومة يسيرة إلى وقت الظهر ، ويشتغل إما للتسميع بالحديث ، أو بالنسخ إلى المغرب ، فإن كان صائماً أفطر بعد المغرب ، وإن كان مفطراً صلَى من المغرب إلى عشاء الآخرة ، فإذا صلَّى العشاء الآخرة ، نام إلى نصف الليل أو بعده ، ثم قام كأن إنساناً يوقظه ، فيتوضأ ويصلَّي لحظة كذلك ، ثم توضأ وصلَّى كذلك ، ثم توضأ وصلَّى إلى قرب الفجر ، وربما توضأ في الليل سبع مرات أو ثمانية ، أو أكثر فقيل له في ذلك ، فقال : ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبة ، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر ، وهذا دأبه ، وكان لا يكاد يصلَّي صلاتين مفروضتين بوضوء واحد . قال : وسمعت الحافظ أبا عبد الله محمد بن محمد بن غانم بأصبهان يقول : كان الحافظ عبد الغني عندنا ، وكان يقول لي : تعال حتى نحِافظ على الوضوء لكل صلاة . قال الضياء : وكان يستعمل السواك كثيراً ، حتى كأن أسنانه البرد . وسمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحراني التاجر بأصبهان غير مرة يقول : كان الحافظ عبد الغني نازلاً عندي بأصبهان وما كان ينام من الليل إلا القليل ، بل يصلَّي ويقرأ ويبكي ، حتى ربما منعنا النوم إلى السحر . سمعت الحافظ يقول : أضافني رجل بأصبهان ، فلما قمنا إلى الصلاة ، كان هناك رجل لم يصل ، فقيل : هو شمسي - يعني : يعبد الشمس - فضاق صدري ، ثم قصت بالليل أصلي والشمسي يستمع ، فلما كان بعد أيام جاء إلى الذي أضافني . وقال : إن الشمسي يريد أن يسلم ، فمضيت إليه فأسلم ، وقال من تلك الليلة : لما سمعتك تقرأ القرآن ، وقع الإسلام في قلبي . قال : وكان الحافظ لا يرى منكراً إلا غيره بيده أو لسانه ، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم ، ولقد رأيته مرة يهريق خمراً ، فجبذ صاحبه السيف ، فلم يخف من ذلك وأخذه من يده ، وكان رحمه الله قوياً في بدنه ، وفي أمر الله ،